سميح دغيم

38

موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي

ويعاون ، فجعل لكل قوم صنعة وهيئة مفارقة للصنعة الأخرى وهيآتها ، فقسّمت الصناعات بينهم . ( سري ، 139 ، 15 ) اختيار - إنّ اختياره تعالى أرفع من النمط الذي فهمه جمهور أهل الكلام من لفظ الاختيار ، فليعلم أن مشيئته تعالى للأشياء ليست إلّا عنايته بها ومحبته لها وهي تابعة لمحبته تعالى ذاته المقدّسة وناشئة عنها ، فإن من ابتهج بشيء ابتهج بجميع ما يصدر عن ذلك الشيء من حيث كونها صادرة عن ذلك الشيء . فالواجب تعالى يريد الأشياء لا - لأجل ذواتها من حيث ذواتها بل لأجل أنّها صدرت عن ذاته تعالى . فالغاية له تعالى في الإيجاد نفس ذاته المقدّسة وكل ما كانت فاعليته لشي على هذا السبيل كان فاعلا وغاية لذلك الشيء حتى أن اللذّة فينا لو كانت شاعرة بذاتها وكانت مصدر الفعل عنها ، لكانت مريدة لذلك الفعل لذاتها ولأجل كونه صادرا عن ذاتها ، فكانت حينئذ فاعلا وغاية . ( جوم ، 126 ، 17 ) - إن أردت أن تفهم معنى الاختيار ؛ فإنّ أكثر الناس جاهلون بمعناه فلنشرح إيّاه شرحا وجيزا فنقول : لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلاثة أوجه ، إذ يقال : الإنسان يكتب بالإصبع ويتنفّس بالرئة والحنجرة ، ويخرج الماء إذا وقف عليه بجسمه . فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالم - عالم الشهادة - وله ضروب أخرى من الفعل في عالم الغيب ليس هذا المقام موضع بيانه ، فإذن ينسب إليه ههنا الخرق في الماء والتنفّس والكتابة ، وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد ولكنّها تختلف وراء ذلك في أمور أخرى ، فاعرب لذلك عنها بعبارات ثلاث : فسمّي خرقه للماء - عند وقوعه على وجهه - فعلا طبيعيّا ، وسمّي تنفّسه فعلا إراديّا وسمّيت كتابته فعلا اختياريّا ، والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنّه مهما وقف على وجه الماء انخرق لا محالة فيكون الخرق بعد التخطّي من سطح الماء إلى الماء ضروريّا ، والتنفّس في معناه ، فإنّ نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفّس كنسبة خرق الماء إلى ثقل البدن ، فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده وليس الثقل إليه ، فكذلك ليست الإرادة ، ولذلك إذا قصد عين الإنسان بإبرة طبق الأجفان بالاضطرار ولو أراد أن يتركه مفتوحا لا يقدر مع أنّ تغميض الأجفان فعل إرادي لأنّه مسبوق بشعور وإرادة ، ولكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك ، حدثت الإرادة للتغميض ضرورة وحدثت الحركة بها ، ولو أراد أن يترك ، لم يقدر عليه مع أنّه فعل بالقدرة والإرادة فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريّا . وأمّا الثالث وهو المسمّى بالاختياري - ويقال له بالقصد - فهو مظنّة الالتباس كالكتابة والمشي . وهو الذي يقال فيه : إنّ شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، وتارة يشاء وتارة لا يشاء . فيظنّ من هذا إنّ الأمر